رسول عباسي
أحد أبرز مصممي ومنتجي السجاد اليدوي في أصفهان
في عالم السجاد الفارسي، لا تُقاس المكانة بعدد السجاد المُنتَج، بل بالقدرة على ابتكار هوية فنية تُعرَف من النظرة الأولى. ومن بين الشخصيات التي حققت هذه المكانة الرفيعة خلال العقود الماضية يبرز اسم رسول عباسي، أحد أبرز مصممي ومنتجي السجاد اليدوي في أصفهان، والذي أسهم بدور محوري في صون المدرسة الأصفهانية الكلاسيكية وتطويرها.
على مدى أكثر من خمسة عقود، كرّس عباسي حياته لفن تصميم وإنتاج السجاد اليدوي، جامعاً بين المعرفة التراثية العميقة والخبرة العملية الواسعة، مع إشراف مباشر على جميع مراحل التصنيع. فالسجاد الفارسي، في نظره، ليس مجرد منتج تجاري، بل عمل ثقافي وفني يهدف إلى حفظ الحرفة وصيانة الإرث الحضاري للأجيال القادمة.
من أصفهان إلى هوية فنية مستقلة
وُلد رسول عباسي في مدينة أصفهان عام 1956، المدينة التي تُعد واحدة من أعظم مراكز صناعة السجاد اليدوي في العالم. وتتلمذ على أيدي نخبة من كبار الأساتذة، منهم:
- الأستاذ جون يوسف بور
- الأستاذ قدرت الله مينائيان
- الأستاذ عباس ملكي
- الحاج أصغر رسولي
قبل أن يطوّر لغته الفنية الخاصة التي أصبحت اليوم سمة مميزة يمكن تمييزها بسهولة في أعماله.
ويرتكز أسلوبه على المبادئ الكلاسيكية لمدرسة أصفهان، مع إدخال تحسينات معاصرة دقيقة ومدروسة. فقد أصبحت التكوينات المتوازنة، والانسجام اللوني، والعناية الاستثنائية بأدق التفاصيل، من أبرز السمات التي تميز تصاميمه.
فلسفة تقوم على الجودة
يؤمن عباسي بأن جودة السجادة تبدأ قبل أن تُعقد أول عقدة فيها. ولهذا يولي اهتماماً بالغاً باختيار أجود أنواع الصوف والحرير والخامات الأولية.
ويستخدم، متى ما كان ذلك مناسباً، الأصباغ النباتية الطبيعية، بينما يعتمد في بعض الحالات على أصباغ صناعية أو ممزوجة بعناية عندما يتعذر الوصول إلى درجات لونية معينة باستخدام الأصباغ الطبيعية وحدها.
ويعكس هذا النهج المتوازن التزامه بالأصالة والتميز التقني، بعيداً عن الادعاءات الرومانسية غير الدقيقة. فهو يرى أن الصدق في بيان المواد المستخدمة جزء لا يتجزأ من الأمانة المهنية.
إشراف مباشر على جميع مراحل الإنتاج
لا يقتصر دور رسول عباسي على مرحلة التصميم، بل يمتد ليشمل الإشراف الشخصي على جميع مراحل الإنتاج، بدءاً من اختيار المواد الخام، وتنسيق الألوان، ومتابعة النسج، وانتهاءً بضمان أعلى مستويات الجودة الحرفية.
وتحمل العديد من أعماله توقيع «أثر رسول عباسي»، بينما تحمل بعض القطع الأخرى توقيع «أثر رسولي» في الأعمال التي تُنجز بالتعاون مع شريكه المسؤول عن تنسيق الألوان.
كما تُرفق هذه الأعمال غالباً بعبارة:
«إيران – أصفهان – رسول عباسي»
لتمنح كل سجادة هوية واضحة ومصدر إنتاج موثق.
معايير استثنائية في الحرفية
يرى عباسي أن جودة التنفيذ لا تقل أهمية عن جودة التصميم.
وقد أشار مراراً إلى أن عدداً محدوداً فقط من النسّاجين المهرة في أصفهان يمتلكون القدرة على تنفيذ السجاد بأعلى درجات الدقة الفنية.
ولهذا تُنسج أعماله على أيدي نخبة من أمهر الحرفيين في المدينة، وتُنتج بكثافات عقد متفاوتة، تبدأ من السجاد الفاخر المخصص لهواة الاقتناء، وصولاً إلى درجات أخرى عالية الجودة تُلبّي مختلف الاحتياجات، مع المحافظة على أعلى معايير الإتقان.
الريادة المهنية
إلى جانب مسيرته الفنية، شغل رسول عباسي منصب رئيس مجلس إدارة جمعية مصممي ورسامي السجاد اليدوي، حيث أسهم في تطوير المعايير المهنية، ودعم الأجيال الجديدة من المصممين، والمشاركة في الحفاظ على التراث الإيراني العريق لصناعة السجاد.
كما يحمل اعتماداً رسمياً بصفته خبيراً في تقييم وتصنيف السجاد اليدوي، إضافة إلى حصوله على العديد من الشهادات المهنية والدولية في مجالات إدارة الجودة، والإدارة، والتطوير المؤسسي، مما عزز مكانته كإحدى الشخصيات المرجعية في هذا المجال.
المعارض والتكريمات
شارك عباسي طوال مسيرته في العديد من المعارض والمؤتمرات المتخصصة داخل إيران وخارجها، ومن أبرزها:
- معرض طهران الدولي للسجاد اليدوي.
- معرض أصفهان الدولي.
- معارض كيش الدولية.
- فعاليات ثقافية في أيرلندا ولبنان.
كما حظي بتكريمات وشهادات تقدير متعددة، شملت جوائز للتميز في إنتاج السجاد اليدوي، وتقديراً من الجمعية الإيرانية للجودة، إضافة إلى شهادات دولية في إدارة الجودة، وتكريمات رسمية لدوره في الحفاظ على هذا الإرث الفني العريق وتعزيزه.
القيمة الإقتنائية
تحظى السجادات التي صممها رسول عباسي أو أشرف عليها شخصياً باهتمام متزايد بين جامعي السجاد الفارسي المعاصر.
وتنبع قيمتها من اجتماع أصالة التصميم، ورقي الحرفية، والإشراف المباشر من أحد أبرز أعلام مدرسة أصفهان الحديثة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأعمال على جمالها البصري، بل تمثل خلاصة عقود طويلة من الخبرة، ورؤية فنية واضحة، وإرث إبداعي موثق، مما يجعلها من القطع المرغوبة لدى هواة الاقتناء الباحثين عن أعمال تحمل قيمة فنية وثقافية مستدامة.
إرث مستمر
اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاماً من العطاء المتواصل، لا يزال رسول عباسي يواصل نشاطه الفني في أصفهان، محافظاً على توازن دقيق بين احترام التقاليد والانفتاح على التجديد المدروس.
وما زال ينظر إلى السجاد الفارسي بوصفه أكثر من مجرد قطعة للزينة؛ فهو تعبير خالد عن الحضارة الإيرانية، وعن الحرفية الرفيعة، والهوية الفنية الأصيلة.
وتُجسد أعماله الحيوية المستمرة للمدرسة الأصفهانية الكلاسيكية، وتبرهن أن الحرفة الأصيلة قادرة على التطور دون أن تفقد جذورها. ولهذا يظل اسم رسول عباسي يحظى باحترام كبير بين جامعي السجاد، والباحثين، وعشاق السجاد الفارسي الفاخر داخل إيران وخارجها.